أبي منصور الماتريدي

14

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ . أي : رحمة الله ؛ هذا خرج في الظاهر مخرج الأمر ، ولكنه في حكم الإباحة عندنا ؛ لأن هذا أمر خرج على أثر الحظر ، والأصل المجمع عليه عندهم : أن كل أمر خرج على أثر الحظر فهو في حكم الإباحة ، وما خرج مخرج الإباحة فإن الحكم فيه يتصرف على تصرف الأحوال ، فإن كانت الحالة توجب فرضيته كان فرضا ، وإن كانت توجب واجبا فواجب ، وإن أدبا فأدب . والدليل على أن كل أمر خرج على أثر الحظر ، فهو في حق الإباحة - قوله تعالى : وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [ المائدة : 2 ] ، وقوله : فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [ البقرة : 22 ] ، ولم يكن ذلك محمولا على الفرض والحتم الذي لا يجوز تركه ، ولكن على إباحة الاصطياد ، أي : اصطادوا [ إن ] شئتم ، وأتوهن إن أردتم ، فكذلك يجوز أن يكون المعنى من قوله : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ على ذلك الوجه ، وإذا كان الأمر على هذا السبيل صار كأنه قال : فإذا قضيت الصلاة التي نودي لها ، فانتشروا في الأرض إن أردتم أو إن شئتم ، والله المستعان . وقوله - عزّ وجل - : وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ . يعني : التجارة والكسب ، قال : البيع ؛ كأنه ينتظم ابتغاء فضل الله ، لكن قال فيما خرج [ مخرج ] الإذن والإطلاق : وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ، وقال فيما نهى عن ذلك : وَذَرُوا الْبَيْعَ ، وإن كان المراد منهما جميعا البيع ؛ لأن كان يقبح أن يقول : وذروا ابتغاء فضل الله ؛ ولأن ابتغاء الفضل يتضمن البيع وغيره ؛ فلا يستقيم أن يقال : « وذروا ابتغاء فضل الله » ، فقال هاهنا وَذَرُوا الْبَيْعَ ؛ ليلحقه النهي خاصة ، وأما الإطلاق والإذن ، فإنه يستقيم في البيع وغيره ، فقال : وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ، والله المستعان . وقوله : وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً ، يحتمل وجهين : أحدهما : اذكروا الله كثيرا بألسنتكم وقلوبكم . والثاني : اذكروا الله بالإقبال على الطاعات التي فيها تحقق ذكر الله . وقوله : لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، له أوجه : أحدها : على رجاء الفلاح . والثاني : أي : لكي تفلحوا . والثالث : على قطع وجوب الفلاح إذا فعل ذلك ؛ بما قالوا : إن ( لعل ) و ( عسى ) من الله تعالى واجب . وقوله : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً .